| |
|
وكانت
عقارات المعني منتشرة في ضواحي صيدا وبعلبك وحاصبيا وراشيا، حسب كتاب
المعلوف، فوهبها السلطان الوزير فوقفها على تكيته (مأوى للمحتاجين)
التي عمّرها
خارج باب الله قرب قرية قدم القدم بظاهر دمشق والحق بذلك ستين جزءا
بالجامع
الاموي وتعيينات لاهل الحرمين وبنى سبيلا على مقربة من عمارته (داره).
ثم ارسل
الامير مع اولاده الى الاستانة والقي القبض على الكثير من اعوانه ففر
الخازنيون
الى توسكانة في ايطاليا وضبطت اوراقهم وعقاراتهم واسلحتهم واقتيد
التوسكانيون
من صيدا الى الاستانة بحجة انهم نصّروا المعني. وبعد ان قابل السلطان
مراد تقرر
ان يقيم في ما يشبه الاقامة الجبرية في اسطنبول ولكن بعد وشايات الولاة
وتهمة
تنصره التي ساقها ضده والي دمشق أمر السلطان بقتله. ويضيف بالحرف عيسى
اسكندر
المعلوف في كتابه: " وروي انه علّق على باب السراي رقبا (شنقأ) وقيل
قطع رأسه
وحكي انه دق في جرن هرسا.
|
|
يقول عزيز الاحدب في كتابه ان المؤرخون اختلفوا في دين الامير واصله
وادعت كل
طائفة بانه ينتسب اليها. فقال المسلمون ان دليلهم انه كان مسلما سنيا،
بناؤه
للجوامع وتعدد زوجاته وصيامه رمضان هو وعياله. اما اسطفان الدويهي في
كتابه
تارخ الموارنة الصادر عام 1860 فيقول ان فخر الدين احسن مثوى المسيحيين
المظلومين فاعتزوا في ايامه، وركبوا الخيل، ولبسوا السراويل الواسعة
والزنانير
المزركشة، وسمح لهم باقامة شعائرهم الدينية جهارا وبقرع النواقيس ...
وكان كل
ذلك محرما عليهم من قبل. أما الدروز فلم يجدوا عناء في اثبات درزية
الامير
المعني، فالامير ولد من ابوين درزيين وعاش بين قومه الدروز وبقي درزيا
حتى
وفاته. أما اليهود فاطلق الحرية لحخاميهم ان يمارسوا شعائرهم وطقوسهم
الدينية
ولتجارهم ان يعملوا في الاراضي والمناطق الواقعة في امارته. المهم في
الموضوع،
يقول الاحدب، ان فخر الدين احترم الديانات السماوية واطلق حرية اقامة
الشعائر
الدينية.
ويضيف اللواء الاحدب المتقاعد في كتابه انه ومنذ ان تولى فخر الدين
الحكم شعر
ان لبنانه اي الشوف ليس كل وطنه وانه لن يتمكن ابدا من بناء وطن كبير
ما لم
ينهج نهجا معاكسا لنهج السلطنة التي حكمت بسياسة "فرق تسد". ولكي يتمكن
من
اعادة الوحدة للمقاطعات اللبنانية، التي فرقها الحكام الخارجيون، كان
عليه ان
يهادن السلطنة وبذات الوقت يضم المقاطعات واحدة بعد الاخرى. وبدأ أولا
بالمدن
الواقعة على البحر. والبحر كان مهما للبنانيين على مر العصور لانه
المتنفس
الوحيد لهم ولتجارتهم ولفك حصارهم. وبدأ الحاق المقاطعات اللبنانية
واحدة بعد
الاخرى بواسطة اقناع حكام المقاطعات بمشروع بناء لبنان حر من السلطة
العثمانية
وولاتها.
ففي ذلك العام، اي 1623 وبعد ضم طرابلس استطاع لبنان- فخر الدين ان
يمتد شمالا
حتى طوروس-امانوس على حدود تركيا حاليا، وجنوبا حتى العقبة والعريش في
مصر
حاليا، ومناطق على تخوم دمشق، ومنطقة تدمر حيث بنى قلعة - ومناطق في
حلب وحمص
وحماة ومعان.
ونجاح الامير فخر الدين في جعل لبنان لبنانا كبيرا فهو دليل ان طموحات
الشعب
اللبناني هي اكبر من مساحته الصغيرة ولكن بذات الوقت لم يبدأ فخر الدين
حربا لا
هو ولا اللبنانيون من قبله ولا من بعده. وهذا كله يقول ان لبنان يريد
ان يعيش
بسلام وبحبوحة في ارضه المعترف بها دوليا.
نستطيع هنا القول ان فخر الدين ( الدرزي بالولادة والمسيحي بالحماية
والمسلم
ببناء الجوامع ) بانتصاره على والي دمشق والعثمانيين قال باسم
اللبنانيين ان
لبنان الذي نريده هو لبنان المتسامح الحر المستقل من اي نعت الا نعت
نفسه
بنفسه. وايضا يستطيع اللبنانيون اليوم بحجة حكم فخر الدين على مقاطعات
كبيرة في
الشرق الاوسط ان يقولوا ان العريش كانت جزءا من لبنان وان تدمر وحماة
كانت جزءا
من لبنان وان الكرمل كانت جزءا من لبنان. وعلى هذا المنوال يستطيع
ابناء روما
اليوم الادعاء ان سوريا و فلسطين ولبنان ايطالية/رومانية، فهم حكموا
الشرق
الاوسط الف سنة. وبذات الحجة يستطيع الانكليز المطالبة بضم الولايات
المتحدة
لانهم استعمروها مئات السنين.
وللمقارنة: يخبرنا التاريخ ان غاريبالدي موحد ايطاليا الذي ولد في نيس
التابعة
وقتها لمملكة سردينيا، هي نيس نفسها الواقعة حاليا في فرنسا، استطاع ان
يوحد
ايطاليا بعد أن ضم كل المقاطعات الايطالية الصغيرة. وهو كان قد انتصر
بجيشه على
الفرق الفرنسية الكبيرة التي كانت بتصرف بابا روما بيوس التاسع. وكانت
ايطاليا
مقسمة بين مقاطعات تابعة للامبراطور النمسوي وبابا روما وحكام متفرقون
واقطاعيون في الجنوب. ابن سردينيا الصغيرة يمهد الطريق في القرن التاسع
عشر
لبناء ايطاليا الموحدة التي نعرفها الان. أما فخر الدين، ابن جبل
الشوف، يوحد
ويبني لبنان الحديث في القرن السابع عشر، حوالي 200 سنة قبل غاريبالدي.
ويبقى ان نختم هذه الصفحة الطويلة بالقول ان الامير نفسه قد قال لملك
اسبانيا،
عندما عرض عليه البقاء في اسبانيا وحكم مقاطعات اسبانية، "لم آت لحكم
ولا لملك،
انما اتيت لحماية لبنان". وفي مكان آخر قال: "انا ايش اريد من السلطان،
انا
راضي باللقمه وشربة المي، وانظر والدتي واهلي وان ما رضوا مني بذلك
والا الجبال
واسعة، وان كان ما تساعنا الجبال والا الدنيا واسعة". |
|
|
|
|
|
|
|
|
بـ 31 تشرين الاول 1622
استطاع الامير فخر الدين
الثاني الكبير بجيشه المؤلف من خمسة الاف مقاتل الانتصار على جيش والي
دمشق
مصطفى باشا الذي تجاوز 12 الف مقاتل من دمشقيون وانكشارية وتركمان وبدو
ومن آل
سيفا وآل حرفوش. ومن نتائج المعركة ان مصطفى باشا وقع في الاسر ولكن
فخر الدين
كما تقاليد اللبنانيون عفا عن مصطفى باشا آملا ان يفهم الخصوم والاعداء
ان
نوايا اللبنانيون العيش بسلام.
بدأت المعارك عندما تقدم والي دمشق بجيشه مناوشا قوات الاستطلاع بقيادة
الشهابيين، ولقد اثار ذلك القلق بن الشابيين ولكن فخر الدين اصدر امره
للاستطلاع بالانكفاء الى مجدل عنجر. فقام معظم فرق السوريين
والانكشاريين
باللحاق بهم الى برج الخراب الواقع بالقرب من مجدل عنجر الذي احتلوها.
على الاثر بدأ فخر الدين بتنفيذ خطته حيث ارسل مئة خيال للتحرش بخيالة
مصطفى
باشا والانكفاء امامهم ليستدرج كل خيالة مصطفى باشا لتعقب خيالته بحيث
ينكشف
مشاة والي دمشق امامه في سهل عنجر. وهذا ما حصل بالضبط، لان ما ان بدأ
خيالة
الامير المئة بالانكفاء حتى تعقبهم الف من خيالة الوالي. وزاد من نجاح
المناورة
ارسال باقي الخيالة السوريون الى برج الخراب للقضاء على قوات الاستطلاع
كما
ذكرنا اعلاه.
وما ان انكشف مشاة الوالي في سهل عنجر بدون حماية الخيالة، حتى ارسل
الامير كل
جيشه الباقي من خيالة ومشاة للقضاء على جيش الوالي وانهاء المعركة.
فتقدمت
مجموعة مدبر الامير (ويدعى مصطفى ايضا) برجاله من جبل عامل من وراء
التلال
بمعية رجال الامير علي شقيق فخر الدين، مهاجمين جيش الوالي. اما رجال
الامير
يونس فاقفلوا خط الرجعة على جيش الشام. وما ان رأى جيش الوالي انه اصبح
مطوقا،
حتى ولوا الادبار وارغم الوالي على اعطاء الاوامر بالانسحاب، فتضعضع
جيشه وسقط
مئات القتلى وقتل اربعة من كبار قواد جيش الوالي وطورد المنهزمون حتى
الزبداني
على الحدود اللبنانية السورية الحالية
وأسر مصطفى باشا.
|
وبعد ان فهم العثمانيون ان اهداف
فخر الدين ليست فقط جمع الضرائب والتوسع قليلا في منطقته، بل بناء
لبنان حديث
ومستقل، جمع الباب العالي 45000 مقاتل من الاتراك ورجال الولاة وشنوا
حملة
لاسقاط الامير الذي استسلم بعد حملة قصيرة ولوقف هدم كل المنجزات
السياسية
والعمرانية. وهذا بالفعل ما حصل بعد ان استمر لبنان بالاستقلال الذاتي
بوراثة
الشهابيين بحكم لبنان.
اما في تفاصيل مصير الامير، فلم يكن قائد هذه الحملة الا الكجك احمد
ربيب
الامير فخر الدين. واليك بعض المقتطفات من كتاب تاريخ الامير فخر الدين
الثاني
المعني للمؤلف عيسى اسكندر المعلوف: "... فاودع الكجك الامير المعني
واولاده
ونساءه في قلعة دمشق وعاد هو الى لبنان الذي اولى عليه الامير علي علم
الدين
فقتل بقية التنوخيين. ويضيف عيسى ان الكجك استولى على قلعة نيحا
واستصفى اموال
المعني وعقاراته بحضرة قاضي القضاة في دمشق وعلمائها واعيانها فكانت
النقود
قليلة. واما العقارات والارزاق والامتعة والحلى النسائية والاواني
الذهبية
والفضية وادوات القتال والحرب فكانت وافرة ثمينة فحمل الكجك ما استطاع
حمله
منها وكتب بالباقي صكا وعاد الى دمشق".
|
|
|
|
|